صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

369

شرح أصول الكافي

الفعلية والبروز والشهود متى شاء وأراد ، وانما للاختيار مدخل في بعض الحركات النفسية والبدنية المناسبة لها وهي أيضا لا تكون الا بتوفيق الله وتقديره . وكذلك القياس في الطرف المقابل لهذا الطرف ومبدئه وغايته وكمونة وظهوره والاعمال والافعال التي بحسبه ، وانما لم يذكر عليه السلام قرينة هذه العبارة التي ذكرها في باب الهداية تعويلا على فهم المخاطب أو المستمع الذكي . فكأنه قال أيضا : ان الله إذا أراد بعبد شرا اظلم جوهر روحه وقسى قلبه فلا يسمع معروفا الا أنكره ولا منكرا الا عرفه ، ثم يقذف الله في قلبه كلمة سفلية ظلمانية يجمع بها كل امره من جهله وشرارته وكفره ومعصيته كما قال تعالى : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا « 1 » ، وكقوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ . . . إلى قوله : كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ « 2 » ، وقوله : كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ . . . إلى قوله : وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ . « 3 » لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ . « 4 » واما الشبهة المشهورة في هذا الباب اى باب الخير والشر الكائنين والسعادة والشقاوة الذاتيين فقد سبق تقريرها وحلها . ولبعض العرفاء كلام لطيف في هذا المقام حقيق بالاذعان والتصديق حرى بالامعان والتحقيق قال في رسالته الموسومة بالهواتف : قد حاول بعض المتفلسفة ان يقيم الشر والشقاوة الكائنين منه تعالى في الوجود معذرة ويحبب الله عز وجل إلى عباده فقال : ان هاهنا ما هو صلاح وخير بالنسبة إلى النظام الكلى والامر الأعم وما هو صلاح وخير بالنسبة إلى النظام الجزئي والامر الأخص ، وإذا تعارضا فلا بد من تقديم ما هو صلاح النظام الكلى والامر الأعم واهمال جانب الجزئي ، كمن قطع عضوا لصلاح الجسد ، وجعل كل شر وخير لاحقين لآحاد الناس واجبين في النظام الكلى . ولعمري انه أراد ان يحبب الله إلى عباده بحسن الثناء عليه فنفرهم عن ذلك من وجهين : أحدهما : انه أراهم ان ربهم فارقهم وهاجرهم ورماهم بالمصائب والنوائب

--> ( 1 ) . التوبة / 40 ( 2 ) . الانعام / 125 ( 3 ) . إبراهيم / 24 - 26 ( 4 ) . يونس / 64